الحلبي
540
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الْفاسِقِينَ [ المائدة : الآية 26 ] أي الذين فسقوا : أي خرجوا عن أمرك . قال في أنس الجليل : ومن عجب الاتفاق أن أريحا هذه كانت في زمن بني إسرائيل منزل الجبارين ، وفي زمن الإسلام منزل حكام الشرطة فإنها الآن قرية من قرى بيت المقدس . ثم مات موسى وهارون بالتيه ، مات هارون أولا ثم موسى بعد سنتين . وفي ذلك رد على من قال إن قبر هارون أخي موسى بأحدكما سيأتي . وفيه رد أيضا على من يقول موسى مات قبل هارون وأنه دفنه ، وقيل إن هارون رأى سريرا في بعض الكهوف فقام عليه فمات ، وإن بني إسرائيل قالوا قتل موسى هارون حسدا له على محبة بني إسرائيل له ، فقال لهم موسى : ويحكم كان أخي ووزيري أفتراني أقتله ؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير الذي قام عليه فمات حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه . وعلى الأول أن موسى انطلق ببني إسرائيل إلى قبره ، ودعا اللّه أن يحييه فأحياه اللّه تعالى ، وأخبرهم أنه مات ولم يقتله موسى ، وعند ذلك قام بالأمر يوشع بن نون المذكور ؛ أي فإن موسى لما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي ، وإن اللّه أمره بقتال الجبارين ، فسار بهم يوشع وقاتل الجبارين وكان يوم الجمعة ، ولما كاد أن يفتحها كادت الشمس أن تغرب فقال للشمس : « أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور ، بحرمتي عليك إلا ركدت ، أي مكثت ساعة من النهار » . وفي رواية « قال اللهم احبسها عليّ فحبسها اللّه تعالى حتى افتتح المدينة » أي قال ذلك خوفا من دخول السبت المحرم عليهم فيه المقاتلة ، وقد عبر الإمام السبكي عن حبسها ليوشع بردها في قوله : وردت عليك الشمس بعد مغيبها * كما أنها قدما ليوشع ردّت ولولا قوله بعد مغيبها لما أشكل ، وأمكن أن يراد بالرد وقوفها وعدم غروبها ، ومن ثم ذكر ابن كثير في تاريخه ، أن في حديث رواه الإمام أحمد وهو على شرط البخاري « إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع عليه الصلاة والسلام ، ليالي سار إلى بيت المقدس » وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون لا موسى ، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس ، لا في فتح أريحا هذا كلامه وهو خلاف السياق . وفي العرائس أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمت في التيه ، بل سار ببني إسرائيل إلى أريحا وعلى مقدمته يوشع ، فدخل يوشع وقتل الجبارين ثم دخلها موسى عليه الصلاة والسلام ببني إسرائيل ، فأقام فيها ما شاء اللّه ثم قبض ، ولا يعلم موضع قبره من الخلق أحد ، قال : وهذا أولى الأقاويل بالصدق وأقربها إلى الحق . وذكر بعد ذلك أن موسى لما حضرته الوفاة قال يا رب ادنني من الأرض المقدسة برمية